السيد محمد حسين فضل الله
127
من وحي القرآن
المماثل للعطاء من ناحية مادية ، بل يبحث عن الانطلاق من العطاء في ذاته كقيمة روحية يريد بها ما عند اللَّه ، لا ما عند الناس ، وذلك هو ما يتمثل في الصدقة التي تقوم على العطاء دون مقابل قربة إلى اللَّه ، وبذلك كانت عبادة كبقية العبادات التي تقرّب الإنسان إلى اللَّه . . . الاتجاه الثاني : هو اتجاه القرض الذي يتمثل في دفع المال المقترض على أن يكون مضمونا عليه بمثله ، فيجب عليه أن يدفعه للمقرض عند حلول الأجل . وفي هذا المجال ، يلتقي العنصر المادي الذي يفكر فيه الإنسان بحفظ ماله في ذمة المقترض ليرجع إليه بعد حين ، بالعنصر الروحي الذي يفكر فيه الإنسان بالتضحية بالزيادة التي قد يأخذها الآخرون في مقابل تجميد هذا المال مدة من الزمن ، وحرمانه من منافعه التجارية التي يمكنه أن يحرّكها في طريق تحصيل الربح ، وذلك هو مورد القربة إلى اللَّه في هذا العمل الذي عبّر عنه في القرآن وفي الحديث بالقرض الحسن . . . فإن ذلك هو سبيل الوصول إلى محبة اللَّه ورضاه ، لما يشتمل عليه هذا العمل من حلّ لمشكلة هذا الإنسان الواقع تحت ضغط الحاجة إلى المال الذي يسد به خلّته . وقد وردت الأحاديث المتنوعة التي تتحدث عن القرض الحسن في أسلوب تشجيعي ، يجعله أفضل من الصدقة في بعض المجالات ، فقد ورد أن درهم الصدقة بعشرة ، أمّا درهم القرض فبثمانية عشر . . . وربما كان ذلك من أجل مواجهة نزعة الربح التي قد تدفع إلى الرّبا وذلك بتحويلها إلى التفكير بالربح في الدار الآخرة ، بالإيحاء بأنها ترقى إلى أعلى من مستوى الصدقة ، مما يرضي طموح المقرضين الذين قد لا يستريحون للصدقة من ناحية ذاتية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، ربما كان درهم القرض متحركا في حلّ أكثر من مشكلة لأكثر من شخص ، مما يعطيه معنى الامتداد والنموّ ، عندما يعود من يد المقترض ليتحوّل إلى مقترض آخر ، مما يوجب تضاعف جانب العطاء في المسألة ، بينما يذهب درهم الصدقة ليحل مشكلة واحدة